محمد بن علي الشوكاني

4769

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

ولما صح عن جلة من السلف من كراهتهم للخلاف للجم الغفير ، وذمهم له ، وحرصهم ملاحظة اتباع الجماعة على كل حال ونحو هذا من المآخذ السمعية الدالة على كون ذلك حجة ظنية ، ومن النظر أيضًا غلبة الظن ، فإن الغالب عدم خلو الحق عن مطلق الجماعة ، وأن تواطؤهم على أمر ، وتوافقهم عليه لا يكون إلى لمستند صحيح ، فمثل هذا الإجماع لا يقصر عن ظواهر الأدلة التي لا يعتمد فيها على كثير من الظن للحق ، وبمثل هذا الإجماع يحصل به ظن أن ما قالوه حق ، وتجويز المخالف فيه لا يخدش في هذا الظن بعد ما سنذكره من شدة البحث عنه في مظانه ( 1 ) نعم وأما اشتراط قطعية الإجماع في صحة الاستدلال به فلم ينتهض عندي وجهه ، وانقسام الإجماع إلى قسمين ( 2 ) معروف .

--> ( 1 ) انظر " حجية الإجماع وموقف العلماء منها " . الدكتور : محمد محمود فرغلي ( ص 130 - 162 ) ، " إرشاد الفحول " ( ص 311 ) . ( 2 ) الأول : إجماع قولي وهو سماع كل مجتهد من أهل الإجماع . أو فعلي وهو أن يشاهد أهل الإجماع يفعلون فعلا ، أو يتركونه ويعرف بقرائن المقام مرادهم . الثاني : الإجماع السكوتي : وهو أن ينقل عن أهل الإجماع قول أو فعل ، مع نقل رضاء الساكتين حتى أنهم لو أفتوا لما أفتوا إلا به ، ولو حكموا لم يحكموا إلا به . ويعرف رضاؤهم : بعدم الإنكار مع الاشتهار ، وعدم ظهور حامل لهم على السكوت وكونه من المسائل الاجتهادية . ولا سيما وأن الظن بالمجتهدين أنهم لا يحجمون عن إبداء رأيهم إظهارا للحق ، وإن لقوا من جراء ذلك العنت والضيق . انظر : " حجية الإجماع " ( ص 173 ) ، " المسودة " ( ص 334 - 335 ) ، " البحر المحيط " ( 4 / 494 ) .